عبد الرحمن السهيلي
217
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
بني جمح ، وبين بني الحارث بن فهر ، وكانت الدبرة فيها على بني الحارث ، ولذلك قل عددهم ، فهم أقل قريش عدداً . وذكر ابن إسحاق شعر أبي أحمد بن جحش وفيه : إلى اللّه وجهي والرسول ومن يقم * إلى اللّه يوماً وجهه لا يخيّب هكذا يروى بكسر الباء على الإفواء ، ولو روي بالرفع لجاز على الضرورة ويكون تقديره : فلا يخيب بإضمار الفاء في مذهب أبي العباس ، وفي مذهب سيبويه : يجوز أيضاً لا على إضمار الفاء ، ولكن على نية التقديم للفعل على الشرط كما أنشدوا : * إنك إن يصرع أخوك تصرع * وهو مع إن أحسن ، لأن التقدير إنك تصرع إن يصرع أخوك ، وأنشدوا أيضاً : * من يفعل الحسنات اللّه يشكره * على هذا التقدير : وفي الشعر أيضاً : * ولا قرب بالأرحام إذ لا تقرّب * وتأول ابن هشام إذ هنا بمعنى : إذا وهو خطأ من وجهين ، أحدهما : أن الفعل المضارع لا يحسن بعد إذا مع حرف النفي ، وإنما يحسن بعد إذ كقوله سبحانه : « إذ يقول المنافقون » الأنفال ولو قلت : سآتيك إذا تقول كذا ، كان قبيحاً إذا أخرتها ، أو قدمت الفعل لما في إذا من معنى الشرط ، وإنما يحسن هذا في حروف الشرط مع لفظ الماضي ، تقول : سآتيك إن قام زيد وإذا قام زيد ، ويقبح : سآتيك إن يقم زيد لأن حرف الشرط إذا أخر ألغي ، وإذا ألغي لم يقع الفعل المعرب بعده ، غير أنه حسن في كيف نحو قوله سبحانه : « يُنْفِقُ كيف يشاء » المائدة ، و « يَبْسُطه في السماء كَيْفَ يَشَاءُ » الروم لسر بديع لعلنا نذكره إن وجدنا لشفرتنا محزاً ، ويحسن الفعل المستقبل مع إذا بعد القسم كقوله تعالى : « والليل إِذا يَسْري » الفجر لانعدام معنى الشرط فيه ، فهذا وجه ، والوجه الثاني : أن إذ بمعنى إذا غير معروف في الكلام ، ولا حكاه ثبت ، وما استشهد به من قول رؤبة ليس على ما ظن إنما معناه : ثم جزاه الله ربي إن جزى ، أي من أجل أن نفعني وجزى عني ، كما قال تعالى : « يوماً لا تَجْزِي نفسٌ عن نَفْسٍ شيئاً » البقرة جزى : مضمر عائد على الرجل الممدوح ، وإذا بمعنى أن المفتوحة كذا قال سيبويه في سواد الكتاب ، ويشهد له قوله سبحانه : « بعد إذ أنتم مُسْلِمون » آل عمران وعليه يحمل قوله سبحانه : « ولن يَنْفَعُكُم اليومَ إذْ ظَلمْتُم » الزخرف وغفل النسوي عما في الكتاب من هذا ، وجعل الفعل المستقبل الذي بعد لن عاملاً في الظرف الماضي ، فصار بمنزلة من يقول : سآتيك اليوم أمس ، وهذا هراء من القول ، وغفلة عما في كتاب سيبويه ، وليت شعري ما يقول في قوله سبحانه : « وإذ لم يَهْتَدُوا به فَسَيَقُولون هذا إفْكٌ قديم » الأحقاف فإن جوز وقوع المستقبل في الظرف الماضي على أصله الفاسد ، فكيف يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها لا سيما مع السين ، وهو قبيح أن تقول : غداً سآتيك ، فقلت إن قلت : غداً فسآتيك ، فكيف إن زدت على هذا وقلت : أمس فسآتيك ، وإذ على أصله بمنزلة أمس ، فهذه فضائح لا غطاء عليها . فإن قال قائل : فكيف الوجه في قوله سبحانه : « ولو ترى إذْ وُقِفُوا » الأنعام وكذلك : « ولو تَرَى إذ المجرمون نَاكِسُوا رُؤوسهم » أليس هذا كما قال ابن هشام بمعنى إذا التي تعطى الاستقبال ؟ . قيل له : وكيف تكون بمعنى إذا ، وإذا لا يقع بعدها الابتداء والخبر ، وقد قال سبجانه : « إذ المجرمون